محمد متولي الشعراوي
2708
تفسير الشعراوى
ولم يقل الحق لك مع إخوانك المؤمنين : كونوا قائمين بالقسط ، بل قال « كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ » أي أن المطلوب هو الاستمرارية للسلوك العادل . فنحن نقول : « فلان قائم » و « فلان قوّام » . ونعرف أن كلمة « قوّام » هي صيغة مبالغة . وعلى ذلك يكون الأمر الإلهى لكل مؤمن : لا تقم بالقسط مرة واحدة فقط ، بل اجعله خصلة لازمة فيك ، ولتفعل القسط في كل أمور حياتك . والقسط كما علمنا من قبل في ظاهر أمره هو العدل ، وأيضا الأقساط هي العدل . وقد أحدثت كلمة « القسط » ضجة عند العلماء ، وقلنا تعليقا على ذلك : إن المسألة بسيرة . . فقسط يقسط قسوطا أي جار وظلم ، فإذا أذهب الإنسان الجور والظلم يقال : « أقسط فلان » أي أذهب الجور . إذن : « القسط - بكسر القاف - هو العدل الابتدائي ، لكن الإقساط هو عدل أزال جورا كان قد وقع . وهب أن أناسا جاءوا لقاض فحكم بينهم بالعدل ، فهذا هو القسط ، وقد يستأنف أحد الطرفين حكم المحكمة الابتدائية ووجدت محكمة الاستثئناف خطأ في التطبيق فأصدرت حكما بإزالة الجور ، وهذا الحكم الذي من الدرجة الثانية اسمه إقساط . وهكذا ينتهى جدل العلماء حول هذه المسألة ، فالقسط عدل من أول درجة ، والإقساط يعنى أنه كان هناك جور فرفع ، لأنه مسبوق بهمزة اسمها « همزة الإزالة » ، فيقال : أعجم الكتاب . أي أن الكتاب كان فيه عجمة ، أي كان بالكتاب شئ مستتر وخفىّ عليهم فأزال ما به من عجمة . وتسمى قواميس اللغة « المعاجم » والواحد معجم أي يعطى معاني الألفاظ فيزيل خفاءها . وكذلك معنى « أقسط » أي أزال الجور . والحق يقول : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ » فأنت أيها المؤمن قد فعلت بالعقل أول مرتبة في القسط ؛ ورددت الإيمان إلى الرب فهو المستحق له وعليك إشاعة كل القسط في كل سلوكك . « كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ » ولا يكفى أن يكون المؤمن قائما بالقسط فقط ، بل لا بد أن تكون الشهادة للّه . لماذا ؟ . هب أن رجلا كافرا باللّه - والعياذ باللّه - ويقيم العدل بين الناس لكنه لا يدخل